إرشيف شهر أكتوبر, 2009

عندما تجد نفسك ضئيلاً

الأربعاء, 28 أكتوبر, 2009

حين تبدأ يومك وتعرف أنك صغير ضئيل الحجم وسط عمالقة صنعوا التاريخ!
هكذا بدأ يومي عندما قرأت المقالة الأخيرة للأستاذ يسري فودة “تِسْلم البطن اللى شالت” والتي هي متابعة لردود الأفعال لسابقتها “شهيد فوق العادة“..
شعرت بأنني لا قيمة لي ولا وزناً ..
فى مقالته الأخيرة يرسخ الأستاذ يسري فودة بداخلي دون أن يقصد-أو يقصد- أهمية أن يكون الإنسان زيادة للحياه لا زائد عليها.
حين رأيت فى قصة البطل الشهيد العقيد طيار محمد عبد الوهاب كريدى كل معاني التضحية بالنفس متناسياً كل الأعراف والقوانين الطبيعية التي تتحدث عن حماية الذات و”نفسي ثم نفسي والطوفان من بعدي” شعرت بضئالتي وصغر حجمي ومكانتي .

ها أنا ذا أقول لنفسي ولكم -إن كنتم مهتمين- أنا لا قيمة لي ولا لأمثالي من هؤلاء الذين لا يستطيعون شيئاً إلا قراءة تاريخنا وعدم الإنتفاع به.
إلى هؤلاء الذين يقرأون ولا ينتفعون .. إلى هؤلاء الذين يقرأون ولا يعرفون. انتم لا طائل لكم ولا حيلة.

كنت ومازلت مقتنعاً بأن قراءة الماضي وتفحص الحاضر يمكنك ببساطة ان تتكهن بعض الشئ كيف سيكون المستقبل المحيط بك.

ولكن حين تقرأ الماضي كقصة مسلية قد يقشعر بدنك لها .. ولا تستفيد منها .. فاعذرني فانت كالحمار يحمل أسفارا.

كذلك .. أول برنامج عربي لتويتر!

الإثنين, 19 أكتوبر, 2009

كذلك

منذ شهرين تقريباً كنت أتحدث مع مصطفى فرغلي عن مشروع يقوم بالعمل عليه ..
لم يخبرني التفاصيل ولكنه اخبرني بانه سيكون مميز!

وقد كان..
فمنذ ثلاثة أيام كان يأخذ رأيي فى موضوع يخص المشروع وكنت قد اخذت وعد منه بأن أكون من مجربي البرنامج!

بدأت امس تجربة البرنامج وكان للوهلة الاولى “رائع”!

كذلك .. البرنامج العربي الأول للتعامل مع تويتر :)
فالبرنامج يعمل بتقنية Adobe AIR اي انه لا يشترط نوع نظام التشغيل فبواسطة الأير فإنه يعمل على ويندوز وماك ولينوكس.

المميز في الأمر انه يتعامل مع اللغة العربية ببساطة وسلاسة جداً.
فأقرانه كتويت ديك لا يتعامل مع العربية ويتعامل معها على لغة غريبة الترميز ..

أيضاً يمكنكم ترجمة اي تويته إنجليزية بالضغط على حرف “ع” فيقوم بترجمتها للعربية.

أيضاً فى حالة إدراج نص أجنبي خلال نص عربي فإن السطر لا يعكس إتجاهه فكون البرنامج عربي فإن الكتابة العربية تندرج تحت إتجاه “RTL”.

إذا كنت من هواه إرسال او استقبال الصور خلال التويتات فإن كذلك هو الحل الأمثل هنا فيمكنك أن ترى مصغرة الصورة.

فى كذلك هناك خاصية جلب الرابط الأصلي من الروابط المصغرة.

يمكن إرسال الصورة بسهوله إلى تويت بيك عبر إلتقاط الصورة من الجهاز ويقوم برفعها تلقائياً.

يمكنك البحث فى التويتات والرسائل المرسلة والمستقيبة فى كذلك.

هناك الكثير لنتحدث عنه فى البرنامج. وهناك الكثير لتجربته ولتراه.

اتمنى من الله ان ينتهى فرغلي من تطوير البرنامج!

عندما تحين اللحظة المناسبة!

الجمعة, 16 أكتوبر, 2009

أحياناً كثيرة أقف عاجزاً أمام صفحة إضافة تدوينة جديدة.. لا أجد ما أكتبه ..
أحياناً أخرى يوجد ما اكتبه ولكن إما ان اكون بعيداً عن الكمبيوتر فلا أكتب .. او اكون أمام الكمبيوتر بلا رغبة فى الكتابة!..

حين أكون وحيداً أتسائل متى أكتب؟! فأرد على نفسي: عندما تحين اللحظة المناسبة!

متى هي اللحظة المناسبة التي يمكن عندها أن افتح المدونة لأكتب ؟

منذ يومين فتحت موقع أرشيف لأتابع مدونتي القديمة “دماغ” ..
كنت أضحك لفقرات بعينها .. وأتذكر لحظة كتابة هذه الفقرة وتلك الجملة !

ألم يعد هناك ما يمكن أن أكتب عنه ؟
منذ أربع سنوات عندما بدأت التدوين كان الموضوع أبسط ..

افتح المدونة .. ألتقط موضوعاً .. ثم أبدأ الكتابة !!

لم أنتظر يوماً تعليقاً عما كتبته ولكني الآن أنتظر تعليقاً كما قال لي مصطفى فرغلي : “إحساس انك تعمل حاجة وتشوف رد فعل الناس عليه جامد جداً”.
فعلا يا مصطفى الموضوع جامد وخصوصاً لما تبقى “جعان و شرقان” على التشجيع!

جائتني عدة ردود على التدوينة السابقة سواء داخل المدونة او خارجها على الماسنجر او الهاتف او حتى وجهاً لوجه ..
الحق يقال أنني كنت منتشي وفي قمة سعادتي لهذا الموضوع!
حتى ان أحد أصدقائي عرض علي نشرها فى جريدة اليوم السابع ولكن لم يكن هناك نصيباً لنشرها هناك!

أعلم أنني لست العبقري يسري فودة ولا الراحل محمود عوض ولكني أعلم انني استطيع الكتابة والتعبير عما بداخلي ..!
ولكن فى الفترة الماضية لم يكن بداخلي تلك الرغبة الملحة فى الكتابة رغم ولعي الشديد بها! .. وكنت أقول لنفسي معللاً عدم الكتابة: عندما انتهى من التصميم المدونة .. ولا انا أنتهيت من التصميم ولا حتى كتبت شيئاً!

افتقد نفسي عندما كنت اكتب ساخراً من اي شئ وكل شئ وأقرر أن اكتب ساخراً فى هذه المدونة.
أعود لأقول أنها مدونة لها طابع خاص لا يمكن ان تكون ساخراً فيها وان تكتب بجدية بعض الشئ لا يصلح الكتابة الساخرة فى مثل هذه الصفحات!

ارد على نفسي قائلا بعد تفكير: من أعطاني الحق لأحجر على المدونة وأعطيها طابع خاص ..
إن اردت ان تكتب ساخراً فاكتب.. وإن أردت ان تكون جاداً أكتب ..!
المهم أن تكتب لا تجعل شيئاً ما “تافهاً” كتصنيف المدونة يقف أمامك ..

المدونة شخصية يجب ان تكون ذات طابع شخصي حتى وإن قمت بتصوير “شبشب حمام” اشتريته حديثاً لتكتب عنه موضوعاً تفصيلياً عن تاريخ “شبشب الحمام”.

سأقوم بالكتابة من الآن فصاعداً كل ما يأتي ببالي سأكتبه .. سأحمل معي مفكرة صغيرة اكتب فيها الأفكار التي تجول بخاطري للكتابه عنها!
لن أنتظر ان يرى احد هذه المدونة ولو انني دوماً سأكون فى شوق لأعرف رد فعل الأخرين .. وسأرسل تدويناتي لأصدقائي عبر الماسنجر !

الكتابة فى حد ذاتها “في رأيي” قوة رهيبة.
ان تمتلك القدرة على التعبير ولا تستخدمه فأنت مفرط فى نعمة اعطاها الله لك.

هذا والله أعلم..

يوم إستعادت الأمة الجريحة شرفها

الثلاثاء, 6 أكتوبر, 2009

جريدة الأخبارحين كانت القوات على الجبهتين المصرية والسورية تردد “الله أكبر” .. وكان الشارع المصري يردد أغنية عبد الحليم حافظ “الله أكبر بسم الله” .. والشارع السوري يردد أغنية فيروز “ضربة قدمكم على الأرض هدارة”..
وكان الأطفال يرددون ببرائتهم المعهودة “موشى ديان يا أعور يا أعور كل ما تمشي تتكعور”.. كانت القيادات السياسية فى كل من مصر وسوريا وإسرائيل وأمريكا وروسيا كخلايا النحل تعمل بلا توقف.

ظهر يوم السادس من أكتوبر أطاحت القوات العربية ممثلة فى مصر وسوريا تلك الشوكة التي عانى منها العرب كثيراً.. شوكة الجيش الذي لا يهزم!

فى معركة استمرت حتى وصول قوات الطوارئ الدولية يوم الثامن والعشرين من أكتوبر كان التفوق لصالح القوات العربية.
المعركة التي كانت نقطة تحول فى تاريخ مصر خاصة والوطن العربي عامة.

حرب فشل فيها من كان حتى سنوات خلت رئيساً لوزاراء إسرائيل بأن يحقق من الثغرة ماكان يمكن تحقيقة لو أن كان بديلاً له شخصاً اقل ذكاءاً من الطبيعي .. أو كانت القوات المصرية أكثر ضعفاً مما كانت عليه ..
إيريل شارون أو إيريك – كما كان يعرف حينذاك – قائد الفرقة 143 الإسرائيلية.

وقتها عرف كل من لم يكن يضع وزناً للسادات كم كان هو داهية. كم كان محقاً عندما طلب ان يحل الأزمة بشكل ودي بدون قتال.
حينما أداروا ظهورهم له واظهروا عدم الإحترام.. هنري كسنجر ورئيسه ريتشارد نكسون ومن قبلهم الإسرائليون أنفسهم.

حين أتصل الملك حسين ملك الأردن فى الساعه التاسعة إلا عشر دقائق بالقاهرة محاولاً ان يظهر تعاونه مع المصريين لم يجد إلا فتوراً في رد السادات.

لم يكن اليوم السادس من أكتوبر هو النهاية ولا حتى البداية بل كان بداية النهاية لما عرف بعد ذلك باليوم السابع كما اسماه الراحل محمود عوض فى كتابه اليوم السابع.

كان الإسرائيليين قد وسطوا طوب الأرض إسترضاءاً لعبد الناصر وكان ريتشارد نكسون قد سئم سماع وجهة نظر المصريين عن طريق الروس فعين جوزيف سيسكو الذي كان حينها نائباً لوزير الخارجية الأمريكي – ممثلاً شخصياً للإستماع إلى المصريين ومحاولة القيام بمفاوضات بينهما.

كان عبد الناصر من الذكاء لأن يستغل سعي الأمريكيين لإرضاءه في تجهيز القوات والتحركات الإستراتيجية التي مكنت القوات المصرية فى عام 73 من عبور القناه.

حين أستغل عبد الناصر مبادرة روجرز التي كانت تنص على وقف العمليات المسلحة الموجهة ضد إسرائيل لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتفاوض والتجديد من جميع الأطراف فى نقل الصواريخ إلى قناه السويس.
حين سأل الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية حينذاك عن الوقت اللازم لنقل الصواريخ إلى قناه السويس فأجابه الفريق فوزي : ستون يوماً. فأعطاه عبد الناصر ثلاثه أشهر ..
كانت هذه الأشهر الثلاثة هي المدة التي نصت عليها إتفاقية روجرز عام 1970.
لولا هذا التحريك الذي قام به عبد الناصر للصواريخ إلى قناه السويس ماكانت القوات قادرة على العبور شرق القناه ولا حتى 5 مترات. فمابالك بخمسة عشر كيلو متراً.

لولا مبادرة روجرز ماكانت الفرصة التي قدمها الأمريكان لعبد الناصر على طبق من ذهب لنقل الصواريخ بأمان دون الخوف من ضربها فى طريق النقل.

ولكن الموت كان أسرع من أن يتحرك عبد الناصر لتنفيذ ماكان يعتمل داخله من خطة إستراتيجية.

وجد السادات نفسه يحلف اليمين الدستوري كرئيس لجمهورية مصر العربية بوصفه نائباً للرئيس جمال عبد الناصر مما ينص عليه الدستور المصري ان يكون النائب هو رئيس الجمهورية فى حالة عدم قدرة الرئيس على القيام بمهامه .. وكان الموت عذراً قوياً لكي لا يقوم عبد الناصر بمهامة.

كان السادات غير مقبولاً لكلاً من الشعب والحكومة فى ذلك الوقت .. فالحكومة اعتبرته مجرد ممثلاً لها وان القيادة في يد من أطلق عليهم “مجلس قيادة الثورة”.. وأما الشعب فقد ألقى على السادات ظل الزعيم جمال عبد الناصر ليتضائل حجم السادات أمام الشعب.. ولم يجد فى نفسه إلا ان يهدئ من الشعب بأن يقول لهم: “عبد الناصر لم يمت”.
كان محقاً حين إختار تلك الكلمات.. حينها كان عليه أن يثبت للعالم أجمع أن السادات ليس عبد الناصر ولا مجرد ظلاً له.

بدأ بنسف ما أسماه مراكز القوى.. وهم كما فعل الأمريكيون مع عبد الناصر قدموا للسادات الفرصة لسحقهم.. حين حاولوا ان يصنعوا فراغاً سياسي بإستقالتهم دفعة واحده. فماكان من السادات ان وافق على الإستقالة وأمر الحرس الجمهوري بالقبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة دون تأخير.

وأختار الفريق أول محمد صادق وزيراً للحربية والفريق سعد الدين الشاذلي رئيساً لهيئة الأركان .
فكان عام 1971 هو نقطة التغيير الأولى فى إتجاه الحرب مع إسرائيل.

فى أغسطس عام 71 كانت خطة الحرب التي وضعت تنص على العبور وتدمير الخط الأول من قناه السويس والتوقف عند خمسة عشر كيلو متراً شرق قناة السويس.

كانت هذه إمكانياتنا وكانت هذه هي أقصى نقطة يمكن أن نصل إليها تحت غطاء الصواريخ .. أبعد من ذلك يعني ان تكون قواتنا تحت رحمة الطيران الإسرائيلي.

متزامناً مع تولي السادات رئاسة مصر كان الفريق حافظ الأسد حينذاك يقوم بحركة تصحيحية فى سوريا وبعدها أصبح الرئيس السوري.

بدأ كل من السادات والأسد فى وضع الخطط الحربية ممثلين فى الفريق سعد الدين الشاذلي من الجهة المصرية واللواء عبد الرازق الدردري والذي كان رئيس شعبة العمليات السورية.

بدأ الأثنين فى وضع الخطط العسكرية بينما كان عقل السادات يعمل فى إتجاه تضليل الإسرائيليين والإمريكيين معاً.
حين عرض جوزيف سيسكو مبادرته التي اسماها أوقفوا القتال وأبدأوا الكلام Stop Shooting, Start Talking إلتقط السادات طرف الخيط واعلن عبر كل الجهات الرسمية المسموعة منها والمرئية عن نيته لفتح قناه السويس للملاحة العالمية..  وهذا يعني تنظيف قناه السويس من مخلفات العدوان الإسرائيلي يوم الخامس من يونيو عام 67 وتعمير مدن القناه.. وكل هذا بدوره يعني أن لا نيه للحرب على الإطلاق.

فيما بعد حين إعترف كل من الجانبين الإسرائيلي والأمريكي بفشل إستخباراتهم فى الكشف عن نوايا السادات كان الوقت قد فات فعلياً ولم يعد هناك فائدة من البكاء على اللبن المسكوب.

حين تحدث شمعون بيريز وزير الإتصالات الإسرائيلي حينذاك قائلاً: “أرفع القبعة للسادات .. فلم يكن أحداً يملك الجرأه على طرد الخبراء الروس كما فعل هو”. كان الوقت قد فات على الإعتراف بذلك.

فى صباح يوم 17 يوليو طلب السادات السفير الروسي بالقاهرة للإجتماع به وفاجأه السادات فور وصوله بأن عليه ان يبلغ حوالي 7000 خبير روسي ان عليهم وعائلاتهم أن يرحلوا عن مصر.

كان للسادات غرضين حين طرد الخبراء الروس والغرضين إن لم يتقابلا فهم فى النهاية فى مصلحة الخطة الإستراتيجية للحرب.
الأول ان السادات رأى ان الروس حين اجتمعوا مع الأمريكان في مايو عام 1972 أكتشف أن الخلاف بين مصر والروس عميقاً ولا بد من الوقوف ومراجعة كل شئ.
أما الثاني فكان لا يريد ان يقال أن إسرائيل تحارب الروس لا المصريين.
وقد كان.

وتوالت بعد ذلك حركات السادات الخداعية للنظم الإستخباراتية الغربية في ذلك الوقت إستعداداً للحرب.
بعد إقتناعه بأن الأمريكيين لا يأخذونه مأخذ الجد وان الإسرائيليون لا يضعون له وزناً.
فكانت هي الحرب.

هنري كسنجر اليهودي الذي أدار جهاز الأمن القومي  الأمريكي فى تلك الفترة والذي كان قد وصل لقناعه أن السادات لا يفعل أكثر مما يفعله الوطني ساخن الرأس.. قال للرئيس الأمريكي نكسون بعد ما وصله من وزير الخارجية الأمريكي ملاحظات قسم المصالح الأمريكية فى القاهرة عن خطاب السادات فى عيد العمال : السادات يتحدانا.

كان وزير الحربية الجديد أحمد إسماعيل قد أعطى تعليماته لرئيس هيئة الأركان سعد الدين الشاذلي بأن يضع خطة جديدة قوامها ان تمتد العمليات العسكرية إلى الممرات وما ورائها وكان هذا عملياً مستحيل!
قالها سعد الدين الشاذلي انه لا يمكن ان ندخل للممرات.. ولكن أحمد أسماعيل فى رداً على الشاذلي انه للعرض فقط وإلا لن يدخل السوريون معنا الحرب.
فحوى كلامه للأسف أنه سيكذب على السوريين .. وا اسفاه.

فى هذه الآونة كان للأردن جاسوساً فى القيادة العليا السورية تبلغهم بالتحركات السورية المصرية وقد أرسل هذا الجاسوس نسخة من خطة الحرب للملك حسين الذي قام بدوره بإرسال نسخة منها لكسنجر وأخرى إلى ديان وطار بنفسه إلى إسرائيل ليبلغ جولدا مائير. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يفعل فيها هذا ولهذا لم يقم الإسرائليين بشئ يذكر.
حيث أخبرهم الملك حسين ان مصر وسوريا ستتحركان للحرب ضد إسرائيل فقامت جولدا مائير بإعطاء أوامرها بتعبئة الجيش فوراً وماكان لها الا ان تلغي هذه التعبئة بعد ساعات من إصدارها الأوامر حيث لم يتحرك أحد.
لذا فى المرة الثانية والتي كانت قبل أربعة أيام من إندلاع الحرب أي يوم الثاني من أكتوبر لم يؤخذ كلام الملك حسين مأخذ الجد وذلك كان لحسن حظ المصريين والسوريين.

فى حين كان نكسون غارقاً حتى أذنيه فى فضيحه ووترجيت وكسنجر يضيف لنفسه بالإضافة للأمن القومي وزارة الخارجية وإسرائيل تحتفل بعيد الغفران والملك حسين موقن بأن الحرب ستندلع كان المصريون قد بدأوا التحضير لتنفيذ العملية بدر.

بدأت بإذالة الساتر الترابي المصري وقياس سرعة الريح وحركتها وايضاً عرض الإفطار على بعض الجنود مما يعني الحرب الشاملة.

كان موشي اشكانزي أحد قادة الحصون الإسرائيلية قد أبلغ شكوكه لقائده بأن هناك شئ ما يحدث على الجانب الأخر من القناه ولكنه توقف عن هذا لأنه اكتشف ان قائده ينظر إليه كمن ينظر إلى مجنون.

نفس ذلك القائد الذى كان بين قوسين أو ادنى من تغيير موشي اشكانزي بغيره قال له يوم السادس من أكتوبر ستندلع حرباً شاملة فى السادسة مساء هذا اليوم.!!!

كان المصريون يريدونها مع أخر ساعات النهار وكان السوريون يريدونها مع أول ساعات النهار ولكن إتفق الحال على ان تكون فى منتصف النهار الساعة 1400.

كان هذا الموعد هو الأول فى تاريخ الحروب التي تقوم فيه معركة فالمعارك إما فى اول اليوم أو أخره ليس فى منتصفه أبداً وعلى الأقل نصف الجيش صائمون!

ماكاد قائد موشي إشكانزي يبلغه بأن المصريون والسوريون سيشنون حرباً شاملة فى السادسة من هذا اليوم إلا وكان برج الإتصالات يهوى أمام عيني إشكانزي ..

لقد بدأ القتال فعلاً..
بدأت العملية بدر..

فى تمام الثانية عند إعطاء الإشارة المتفق عليها من كل الجانبين المصري والسوري “بدر” عبرت 220 طائرة مصرية قناه السويس فى طيران منخفض لضرب الإهداف الإسرائيلية خلف الساتر الترابي فى أهداف محددة مسبقاً من القيادة.

طائرات تذهب وتعود وأخرى تذهب وتعود ..
خسائر الهجمة الأولى 11 طائرة من بينها طائرة الشهيد طيار عاطف السادات شقيق الرئيس أنور السادات.

بعدها قام أكثر من 2000 مدفع من مختلف الأعيرة على طول الجبهة – وكما وصف الإسرائيليين أنفسهم – بزلزلة الأرض من حولهم وكانت الطلقة تصيب هدفها تماماً.

فى نفس الوقت كانت القوات المصرية الجيش الثاني والثالث ميداني بقيادة اللواء سعد الدين مأمون واللواء عبد المنعم واصل بعبور قناه السويس عبر قوارب زودياك المطاطية وأخرى خشبية.

بعدها بثمان ساعات أستطاع سلاح المهندسين بناء أول كوبري ثقيل وبعدها بساعتين أستطاعوا عمل حوالي 60 ممر فى الساتر الترابي وإنشاء 8 كباري ثقيلة أخرى و 4 خفيفة مما سهل عملية نقل المدرعات الثقيلة.

لم يكن الجنود الإسرائيليون يعرفون ماذا يحدث حولهم .. كانوا متخبطين ..
وكان سعد الدين الشاذلي قد أمر بعمل ماهو أشبه بإذاعة داخلية فى الجيش يذيعون فيها مايحدث على ارض المعركة فى الجهات الأخرى .. سقطت كم طائرة واسر كم جندي اسرائيلي مما رفع من حالة الجنود المعنوية..

كانت “الله اكبر” هي الصيحة التي زلزلت قلوب العدو الإسرائيلي وكانت هي وقود هذه المعركة.. معركة الكرامة..

تقدم جنودنا تحت الغطاء الجوي لصواريخ سام 6 للمسافة المقدرة فى الخطة والتي يستطيع الغطاء الجوي عندها ان يحمي القوات.

احد قادة الحصون الإسرائيلية يقول: رأينا طائراتنا تعبر فوق رؤوسنا متجهة نحو الجبهة المصرية وماكان بيدنا ان نفعل شيئاً ولكني اتصلت بهم ألا يرسلوا طائرات أخرى .. لأنه ببساطة الطائرة التي تذهب لا تعود.

حتى الثامن من أكتوبر سقط خط بارليف وتحررت مدينة القنطرة شرق فى نفس اليوم دخلت أمريكا الحرب مع إسرائيل.. وكانت هذه فرصة للتفوق العسكري الإسرائيلي.

فشل الهجوم الإسرائيلي الأمريكي يوم الثامن وتم أسر القيد عساف ياجوري أشهر أسير إسرائيلي.

كانت جولدا مائير تصرخ أن إنقذوا إسرائيل وقدمت لمسئول وزارة الدفاع الأمريكية فى إسرائيل وقتها مجموعة الطلبات التي تحتاجها ووعدت أمريكا بتعويض الخسائر الإسرائيلية والتي وصلت يومها حوالي 400 دبابة و50 طائرة.

وصلت الإمدادات الامريكية الكثيرة وفشلت عملياتها ..
يوم التاسع من أكتوبر وصلت قوات الجيشين الثاني والثالث الميداني لعمق خمسة عشر كيلو متراً فى قلب سيناء.

يوم 12 أكتوبر صدرت الأوامر بتطوير القتال شرق القناه ولم تكن القدرة على إتمام ذلك ممكنة بسبب عدم وجود غطاء جوي.

يوم 17 أكتوبر ظهرت الروح العربية حقاً من السعودية والدول العربية المنتجة للبترول فى خفض إنتاجها من البترول المصدر للغرب مما وضع تلك الدول المساندة لإسرائيل بين المطرقة والسندان.. بين إستهلاك مصدر الطاقة في صالح الدول نفسها او فى مساندة إسرائيل.

ماكان من إيريل شارون إلا أن يخيب أمال قادته فى استغلال الثغرة والسيطرة على الإسماعيلية وتطويق الجيش الثاني الميداني يومي 20 و 21 أكتوبر.

يوم 21 أكتوبر قرار مجلس الأمن 338 بوقف إطلاق النار وافق عليه الأطراف المعنية.
يوم 22 أكتوبر لم تحترم إسرائيل القرار وواصلت العمليات العسكرية غرب القناه..
يوم 23 أكتوبر قرار مجلس الأمن 339 للمرة الثانية بوقف إطلاق النار ووافق عليه الأطراف المعنية.
يوم 24 أكتوبر لم تحترم إسرائيل القرار وواصلت الهجوم ومحاولة إحتلال السويس.
يوم 25 فشل إسرائيل فى احتلال السويس فى مواجهة المقاومة الشعبية لمدينة السويس ومعاونة من قناصة الدبابات من الفرقة التاسعة عشر من الجيش الثالث ميداني.
يوم 26 و 27 تقطع إسرائيل طريق مصر السويس لوقف الإمدادات المصرية.
يوم 28 قوات الطوارئ الدولية تصل لتنهي الحرب بين مصر وإسرائيل.

رفع علم مصر على شرق القناه وحرق العلم الإسرائيلي ..
يقول الأستاذ جمال الغيطاني الذي كان مراسلاً حربياً وقتها: هذا العلم لم يرتفع فى إحتفال .. إرتفع بالقتال.

فكيف كانت الروح المعنوية للجنود فى هذه اللحظات ؟!

في كتابهم “المدحال” أو “التقصير” يقول الصحفيون الإسرائيليون الذين شاركوا فى كتابة هذا الكتاب – وهم كانوا مراسلين حربيين فى هذا الوقت – ان الجنود الإسرائليون كان ينقصهم الروح.
فبعدما كانت كل الإستخبارات تقول ان المصريين لن يحاربوا فجأه وجدوا المصريين فوق رؤوسهم يرسمون ابتسامة ساخرة عذباء كانت بالنسبة للجنود أشبة بإبتسامة قرش مفترس يستعد للإنقضاض على ضحيته.

فى نفس الكتاب يقولون ان احد الجنود الإسرائليون ظل يصرخ فى اللاسلكي ان المصريون ليسوا بشر بل هم شياطين إننا نحارب شياطين وهذا ايضاً ادى إلى زعزعة العزيمة الإسرائيلية أكثر وأكثر.
حيث كان الجندي المصري يرتقي الدبابة ليلقى داخلها قنبلة يدوية .. او يقابل الدبابة ليلقى داخل ماسورتها قنبلة يدوية ..

كانوا قد اقتنعوا انهم لا يقاتلوا بشراً وكان هذا لسوء حظهم ولحسن حظنا!

يوم السادس عشر من أكتوبر فى خطابه فى مجلس الشعب قال السادات: إن حرب السادس من أكتوبر عام 1973 هي معجزة عسكرية على أي مقياس عسكري.

لقد إستعادت الأمة الجريحة شرفها .. وثقتها فى قواتها المسلحة .. وقيادتها التي خطت..
السادات 16 اكتوبر 1973